اسماعيل بن محمد القونوي

37

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الأحكام وإرشاد الأنام لا سيما في ابتداء الإسلام أجل من البيان ومن أراد الاطلاع فليراجع إلى السير ( بين الغناء والعناء ) جناس ناقص وقدم الأول لأن سببيته للصلاة اظهر فالمعنى أنه عليه السّلام يستحق صلاة لا تحصى ولا تعد لأن منافعه وتعبه لا تحصى ولا تقصى ( قيل وفي قوله توازي وتجازي جناس مضارع ) والاكتفاء بالصلاة لا يكون مكروها على الأصح خلافا للبعض فلو قال صل وسلم لا سلم من المناقشة والقول بأن قوله وسلم علينا وعليهم شامل له عليه السّلام بعيد جدا . قوله : ( وعلى من أعانه ) وهم الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين واكتفى به لشهرتهم بالإعانة وكذا الكلام في . قوله : ( وقرر ) والمراد به التابعون والذين هم اتبعوا إلى يوم الدين . قوله : ( تبيانه تقريرا ) تبيانه بكسر التاء المثناة من فوق مصدر بمعنى البيان كقوله تعالى : تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] الآية ويفيد المبالغة في البيان وفي نسخة بنيان بضم الباء الموحدة مصدر بنا يبنيه بوزن غفران وهو استعارة لما جاء به من الشريعة وهو استعارة مشهورة لطيفة قال تعالى : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ [ التوبة : 109 ] الآية وقال عليه السّلام : « بني الإسلام على خمس » الحديث والمعنى حينئذ وقرر أي جعله قارا وباقيا ترشيحا للاستعارة لأن البقاء من شأن البناء وفي الأولى فالمعنى وقرر أي جعل بيانه قارا في الأذهان يسهل به المعرفة والإذعان . قوله : ( وأفض علينا من بركاتهم ) وقد عرفت معنى الإفاضة وأنها استعارة من إسالة الماء لكثرة المنافع والبركات والبركة الزيادة والنماء وكثرة الخير أي وأفض يا ربنا من معارفهم والاجتهاد في اكتساب أعمالهم ويسر السلوك في أثرهم . قوله : ( واسلك بنا مسالك كراماتهم وسلم علينا وعليهم تسليما كثيرا ) وأسلك أي أدخل بفضلك من سلك المتعدي قال تعالى : كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [ الشعراء : 200 ] وكقوله تعالى : ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [ المدثر : 42 ] أي أدخلناه مصدره سلك بفتح السين وأما سلك اللازم فمصدره السلوك والباء في بنا لإفادة الاستصحاب والدلالة على المبالغة في الإدخال قال المص في تفسير قوله تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] عدى الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك يقال ذهب السلطان بماله إذا أخذه وما أمسكه اللّه تعالى فلا مرسل له انتهى فما أدخله اللّه تعالى فلا مخرج له أصلا ولا يخفى أن ما أورده المص في الخطبة من براعة الاستهلال وسائر أنواع البلاغة والبراعة مما يتحير الناظرون ويتعجب الماهرون حيث حمد اللّه تعالى أولا على ذاته ثم على نعمه تنبيها على الاستحقاقين واستيفاء للمسلكين ومن أجل نعمه تنزيل الفرقان الحاوي لمصالح العباد في الدارين ونظام المعاش وتحصيل المعاد وغير ذلك مما مر بيانه وشيد أركانه وظهر مما ذكرناه من أن الضمائر في فتحدى وأفحم وبين وكشف